
كتبت هذه القصة القصيرة بتاريخ 3 أيّار 2007.
أنشرها للمرة الأولى.
كانت الموسيقى دقّا خفيفا على كؤوس كريستالية ممتلئة بدرجات متفاوتة, و النهار ناصع الضوء كسقف من البخار الحار. كل شيء كان هادءا على التلّة الخضراء المودية الى واد أقيمت عليه منصة.
مذ رحلت لاعود لماضيَّ بدى لي عزمي على إحياء قشرتي القديمة ضربا من العبث. أكاد لا أذكر كيف كان صوتي آنذاك و لا صوت صمتي. أكاد لا اذكر وجهي حين أراه, اكاد لا أصدق أنه ذات الشخص. ربما الزمن كان اوضح المعالم و لكنني اجمل الآن. و أكثر وحدة.
الظهر الفاقع الشهوة يغيظه فتور الشمس. لا تعاودني أي ذكرى. لهذه اللحظة فقط سأنسى. و لاستأنس بالفتية و الفتيات الذين سيحضروا ليروّحوا عن همومهم و كبتهم بالرقص اليوم بطوله حتى عرض من الليل.
يشتد صفاء الجو, يوم ربيعي دافئ أقصى دفئا من الحنين... و لكنّي لا أذكر شيئا.
تأتي جموع الفتية و الفتيات و يعلو لغوهم و ضحكهم, يتراقصون حول الطاولات و على المقاعد, و الموسيقى الكريستالية تعلو بما يشبه تعويذة غرائبية. لا اسمع كلامهم بل ضحكا و رقصا و بهجة. الكل يلعب بفوضى متناغمة مع الموسيقى و اما دفئ الشمس المتخفية خلف بعض الغيوم فيزيد الجوَّ روعة.
صعدنا قطارا جرى بنا بسرعة البرق. زحف شيطانيٌ و كأنما يعدو بنا نحو جدار جهنم- يركض بنا كأن ينتهي مطافه إصطداما فإنفجارا. و كنت أشعر بالوحدة. فكرت بك لثانية و لكنك لن تعودي. و يجلس طيفك قبالتي و هو يتامل الخارج لوحات أثيرية تختفي في لحظات.
تحسستك فوجم شبحي و هم بالبكاء فاصدر صوتا كالنواح, جعل وجوه الجميع تلتفت نحوي.
و حين بصقنا القطار, كان لا بد لي من مسح اللعاب عن بدلتي.
إذا فهذه هي حديقة الورود و موطن الفرح. المكان الذي كبرنا و نحن نسمع عنه في كل حكايا الجنيات و كل اساطير الساحرات السعيدات. و لكنني كبرت, و صار لا بد لي من مواراة عمري بإبتسامة مصطنعة بينما الكل يركض بإتجاه البوابة العملاقة.
العنوان: آفاق الحلم في القارة المستحيلة.
إنها مدينة الفرح.
ليست كما تخيلتها ابدا, أو ربما هي تماما كل ما أعرفه عن الفرح.
الموسيقى تعلو تماما كتلك التي نسمع في مدن الملاهي الشبحية. عزف على الاوكوديون.
يضحك الجميع.
لا شئ في المدينة سوى واد و منصة و تلال خضر. و يمتد النظر فتختفي سكة القطار وراء ضباب يشبه حلوى شعر البنات. شعرت بجفاف نقي بينما قدمت لي حسناء عصيرا. إبتسمت و لم ترد على شكري سوى بغمزة. لم يكن هناك ولا شجرة واحدة تظل أحدا في الحديقة.
لا اتكلم لغة اهل المدينة بكل تأكيد, أقنع نفسي.
تاملت حيطان المنازل القليلة هناك حيث تتفتح المنازل على حمامات للسباحة يتراشق بها الصبية الماء.
كل شئ كان هناك حتى الطواويس و طائر مالك حزين وحيد ظل يتاملني بشئ من التوجس أو العتب. او كمن يحاول ان يخبرني بشئ بعينين حسناويتين و نادى ببكاء فردوسي.
يأتي شاب بيده عدّة أحزمة و يحاول إنتشال حزامي مني بلعبة يلعبها مع أصدقاءه يكسبها من يسرق اكبر عدد من الاحزمة التي تعاد الى أصحابها بعد إنتهاء اللعبة, فاهرب منهم.
يلكزني شاب من الخلف ثم ينادي على من معه: أقدم لكم الشاعر الشاب. أسلم على كثير من الوجوه الباسمة. طلب مني ان احدثهم عن رأيي بالمدينة شعرا مرتجلا. بدو لي كقطيع من السناجب الحلوة. إعتذرت لهم و رجوتهم أن يسمحوا لي بان افكر فأخرج بقصيدة أستشعرها. فبدى لي غضب طفولي على وجوههم بينما تابعوا رجائهم. "و لكنني لم أنشد الشعر منذ الازل!" لست كالحاوي اخرج من قبعتي قصيدة أحملها من أذنها البيضاء الطويلة. "نرجوك! نرجوك!" بينما تابع الجميع ضحكهم و تناسوني تماما و هم في غبطة من أمرهم, يتدحرجون على التلال شغفا و فرحا. لا أدري إن كنت أبتسم أم أنني بدوت غائبا عن الوعي, و لكن الجميع تركني خلف سعادتهم.
قلبي كتلة من الأسى و الحزن رغم كل الفرح من حولي بينما يبتعد الجميع عني باسمين. لم أفهم إن كان علي التصرف مثلهم, و لكن ذلك كان سببا كافيا لأطلق ضحكة مكبوتة منذ الازل.
و أذكرك. فتفيض عيناي بالدمع و ابتهل لذكراك. ليس من شئ يسعدني لقد إنتهى كل شئ. أن احاول العودة الى الإحتفال النهاري يبدو لي كضرب من السفه.
أمشي. و ألمحه بينهم. لست أدري إن كان رجلا أو إمرأة.
عجوز قبيح مشوّه. نصف وجه محترق تعتريه التحدبات و التقعرات غير الطبيعية. و النصف الآخر أحرقته صحارى العمر و كان يرتدي شعره الابيض الطويل. له صلعة و كان أبيضا, يرتدي ما يشبه ثوب كاهن أصفر و أبيض و مذهّب. و كان يمشي بين الجموع سعيدا...
أقترب منه فيهمس لي: "لم لا تراقصهم؟"
قبحه يخرسني. و لكنني أغالب نفسي فأجيب بإختصار محاولا ألّا أنظر من خلال عينيه الزرقاوين. يبتسم فينم عن أسنان صفر قبيحة... "إتبعني, سأجعلك اكثر سعادة"
و أتبعه.
و أذكر يوما جادلت فيه أمك زوجها في أحقيتنا في أن نحتفل و نرقص كبقية جيلنا. قالت: "أتذكر كيف كنّا نحن و آباؤنا نذهب الى حديقة الورود فنلعب و نلهو, كنّا نفعل اقبح مما يفعل جيلكم, كانت الحديقة مغطاة بأشجار نختفي ورائها و يفيض كبحنا. اما عنكم, فكل ما ستفعلونه سيكون ظاهرا للعيان. لا تخبؤون شيئا: انتم أكثر واقعية و صراحة منّا. إذهبوا الى حديقة الورود و لكن إحذروا مجاهلها, حذار أن تخطوا سراديبها و مغرها فتفتنكم ثم تفتك بكم".
خفنا يومها و لم نذهب, و اليوم جئت لأنني وحيد و سئمت الوحدة.
أتبع العجوز الشيطاني فيدخل بي الى غرفة و يغلق الباب خلفه. "لا تخف حين ترى ما سافعله بنفسي..." يخلع ملابسه بينما كان يختفي تماما من امامي.
حضرني رعب ما و لكنن تمالكت نفسي حتى تهاوت آخر قطعة من تحته, بينما وقف أمامي مختفٍ تمام و عار تماما لا أرى منه سوى ما يشبه "سراب" لإحدى رجليه, ذلك اللمعان الذي نراه في الصحراء. كان يقف على رجل واحدة بكل تاكيد, إقترب مني فرايت لمعان السراب يعلو ليصل الى عينيّ.
"أغلق عيناك" ففعلت. دلّك مقلتاي بحرارة حتى أورم عيناي. "أرجوك, اصابعك تؤلمني..." و لكنه تابع, و بهمس كفحيح أفعى طلب مني أن أصمت.
شعرت بأصابعه تقتحم مقلتاي "لا تعورني بالله عليك!" حاولت الصراخ بفحيح مشابه مرتبك.
تابع التدليك. خفت ان أفتح مقلتاي حتى لا تفقا إحدى عيناي أو كلتيهما.
على العزف دقّات كؤوس الكريستال في الخارج البعيد و إرتفع همس.
همهمات على صيغة غناء.
تابع تدليكه حتى شعرب باصابعه تقتحم جمجمتي...
و فجأة, سحب أصابعه كنصل و شعرت به و كأنما اخرج عيناي معه. فتحت جفناي ببطئ فلم أرى بوضوح لسبب ورم أحدثه, و لكنني رأيت طيفا يترك الغرفة قائلا: "إنتظرني حتى أعود, إياك أن تخرج!"
و أنتظرت. دقيقة, إثنتان, ساعة, ثلاث ساعات. يوم. أسبوع.
لم يعد...
و صمت العزف في الخارج. بدى و كان الجميع قد رحل. و تبدل صفاء السماء بالغيوم.
مرة, حين مرّت بشباكي إمرأة, اخفضت بصرها ثم هربت لتوها. و انا اتسائل لما لا يختفي الورم.
و حين قررت أن انظر الى مرآة صرخت بجنون. تابعت الصراخ على نبرة واحدة و متتابعة. و كأن الصراخ يسبق ذهني الى فهم ما يجري.
كنت أرى العجوز الشيطاني في المرآة و قد سرق جمالي و حلّ قبحه مكانه.
و في المرآة, تابع العجوز صراخه برعب و رهبة حقيقيين.
Houston, TX
2:00am-5:00am
05/03/2007
No comments:
Post a Comment